الليبرالية الزائفة

رسملة التنوير
إن حرق محاصيل العرب، وخطف رجالهم ونسائهم وأطفالهم، إجراءان ضروريان مؤسفان، لتأديبهم، لأنهم يصرّون على المقاومة. لا يظنّن أحد أن هذا ما يقوله نتنياهو في الفلسطيني، بل إن قائله وكاتبه ومفكره، هو الليبرالي الفرنسي ألكسي دي توكفيل (1805-1859) ضدّ الجزائريين مسترشداً بالتجربة الأميركية الديمقراطية التي ساعدت على تأديب القبائل الهندية الأشدّ وحشية. ونادى بضرورة تجويع العرب «بحصارهم بين حراب بنادقنا والصحراء لدفعهم للاستسلام (...) فاحتلال مُدنهم وتدميرها... هي حملات مفيدة». وهذا ما يتم اختباره اليوم على الفلسطيني ومُدنه لإخراجه من التاريخ، لأنه كالسكان الأصليين يُعدّ خطراً على الليبرالية الغربية ومشروعها الاستعماري.
لكن من أين ينبع هذا الخطاب الليبرالي؟
من المعروف أن فلسفة التنوير التي نشأت في أوروبا في القرن السابع عشر سعت لتحرير عقل الإنسان وإرادته، وتجسّدت في الفكر الليبرالي. جون لوك (1632-1704) أحد رواد عصر التنوير، وهو من وضع ترسيمة النظام الليبرالي النهائية القائمة على الحرية الفردية والمساواة الاجتماعية وأنّ على الدولة حماية الثروة والحريّة وألا تتعدى على أيّ من هذه الحقوق الطبيعية للفرد. لوك الذي امتلك أسهماً في شركات تجارة الرقيق، يقدّم هذه النسخة من الليبرالية مخصّصة للرجل الأبيض حصراً. بدفاعه عن الحرية في تراكم الثروة، يَسقط مبدأ المساواة. هذا التراكم يُعدّ شرطاً ضرورياً لتحقيق التراكم الرأسمالي وبناء النظام الاقتصادي الجديد الذي يسلّع العلاقات والأموال، ولا يتحقق إلا بالمنافسة الشرسة الإلغائية والاقتتال في الحياة السياسية والاقتصادية الأوروبية والهمجية الاستعمارية. هكذا أصبح لوك بطل سردية الأسطرة الدينية الليبرالية.
إنها باختصار رسملة التنوير في خدمة رأس المال وتسيّد «الغرب» الذي يعبّر، بخطاب متعالٍ، عن انتصار الليبرالية لإثبات ادّعاء الأوروبيين البيض تفوقهم بذريعة أنهم وحدهم العقلانيون. وهي صيغة يتبوّؤها الاقتصاد بالملكية الخاصة والسوق، ويشرّعها القانون وتنظّمها السياسة بالمساواة وبالحرية الفردية.
يُعتبر لوك من أهم صانعي العقل الأميركي وروايته. برأيه، ليس للهنود حقّ أصيل في أراضيهم لأنهم لم يحسنوا استخدامها. وهذا ينسجم مع رؤيته للغرض الرئيسي من الوجود الرامي إلى جعل الرجال «أفضل» وإن تطلب ذلك إكراهاً استعمارياً. بهذا المنطق تنكّب الغرب مهمّة إخضاع الدول وتأديب شعوبها. ومعها، سقطت مرحلة التنوير في الفكر الليبرالي الغربي، وتكشّف الوجه الوسخ للرأسمالية، المرابية من خلال سمسرة «وعد بلفور» بطرد الفلسطينيين من أرضهم.
لم يكن هذا أول تصرف أو بيع لأراضي الآخرين. فما زال هذا المنطق سائداً إلى اليوم في التشريع الليبرالي الغربي سواء باحتلال الدول و/أو محاصرتها بالعقوبات للسيطرة على مواردها. وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت، رأت أنه ليس من الإنصاف أن ينعم بلد واحد مثل روسيا بكل هذه الثروات، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يطالب بالحصول على دول وجزر! وهذا مسار يمتدّ منذ إعلان استقلال أميركا عام 1776، الذي حمل وعداً بـ«الحياة والحرية والسعادة». وفي وقت توقيعه، كان مئات الآلاف من البشر محتجزين عبيداً في أميركا؛ هل كانت هذه مصادفة، أم أن هناك شيئاً أعمق يربط بين هذا الخطاب التنويري العالمي وعبودية الإنسان؟ هذه تحديداً، أسس الرواية الغربية التي استفادت من منجزات العلوم والثورات الفكرية. وقالها لوسوردو بشكل واضح: «إنّ الليبراليّة تُفهم مساراً للتحرّر ونفيه في تاريخها. تناقضات النُّظم الليبراليّة التي تدّعي الدّفاع عن الحرّية وهي تُضمرُ تمجيداً خفيّاً للعبوديّة والاستبداد، مثالها النموذج الأميركي». وهذا ما كان ممكناً إلا بالاقتصاد، المسترشد بالتنوير.
العمل أصل القيم
بيّن مؤسّسو علم الاقتصاد الليبرالي في أواخر القرن الثامن عشر، أن الشرعية من عدمها، لكل دخلٍ، إنما تعود إلى العمل الذي ينتجه، موجهين سهامهم الطبقية ضدّ ملّاك الأراضي الإقطاعيين. فالدخل أو الريع، الذي يحصلون عليه، يُعتبر دخلاً طفيلياً لأنهم لم يقوموا بأي عمل. وبرأيهم الأرض أصلاً ليست ملكاً لأحد. كما استنتج ريكاردو، أحد كبار رواد علم الاقتصاد، بأن المجتمع يُقسَم من خلال العملية الإنتاجية إلى طبقتين اثنتين فقط: الرأسماليون والعمال. ثم جاء اكتمال عمارة الفكر الرأسمالي عبر تحديد رأس المال. وهذا أيضاً ينتجه العمل. في هذا السياق، أخذت البرجوازية موقعها كطبقة ثورية، واستفادت في بدايتها من عصر التنوير ومنجزاته، وولدت حكاية حياة رأس المال وتوأمه الطبقة العاملة التي خلقت الرأسمالية الصناعية الصلبة والدولة.
الانقلاب الليبرالي
تعرّض التنوير لهجوم ليبرالي مرتدّ شنّته جماعات تمتّعت بامتيازات موروثة. هذا ما خلص إليه جوناثان اي. إزرايل في كتابه «التنوير متنازعاً فيه»: «إن الفكر الليبرالي والتاريخ الغربي، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، غريب عن التنوير الراديكالي».
هكذا وقفت الرأسمالية معمّمة بالليبرالية ضد حرية الفكر. بهذا المعنى هي رجعية وانتهازية. فما إن تولّت البورجوازية الفرنسية السلطة، بنتيجة الثورة الفرنسية، حتى انقلبت على مبادئها. وبحث أصحاب الملكية الخاصة، المنتصرون، عن أيديولوجيا محافظة تبرّر امتيازاتهم، فاكتشفوا سحر الكنيسة الكاثوليكية وارتدوا إليها عن مبادئ التنوير، لإضفاء القداسة على رأس المال الكبير. وبنتيجة نجاح الطبقة البورجوازية في تطوير غير مسبوق للقوى المنتجة، أمسكت الرأسمالية العالمية بزمام الحضارة من خلال استعمار بعض الشعوب وإبادة بعضها، وبالإتجار بالعبيد، وبنشر البؤس والفقر لصالح طبقات غنيّة متحكّمة بوسائل الإنتاج والسلطة.
هكذا يكشف الخطاب الليبرالي عن خاصية أصليّة لرأس المال تعيده إلى بدايته، فيصبح هو الدولة ذاتها، ويعبّر عن هذا الأمر، بفظاظة، رجال الأعمال الجدد في مجال التكنولوجيا
عملياً، خلال القرن الـ19، انتشرت الليبرالية كأيديولوجية رئيسية للبورجوازية تحمل (نظرياً) لواء التقدّم والديمقراطية. لكن الأسواق الرأسمالية كانت تضيق، وهي أصلاً لا تقوم على الحرية ولا تتيح خيارات أخرى خلافاً لرواية الليبرالية. وبالتالي، توالت خيبات الأمل بالعلم، ما خلق الكثير من اليأس من التقدّم مع النظام الليبرالي. فأزماته المتتالية، فجّرت عنف التناقضات الحقيقية للنظام الرأسمالي بحروب مدمّرة بين الدول المتقدّمة، وجرّت العالم بكليته إليها. وفي كلّ مرّة تهتزّ سردية انتصار الليبرالية ونهائيتها، وتفرض على شعوب الدول المتقدّمة والضعيفة معاً، ثمن انتهازيتها وهزائمها.
خواء معنى الحرّيات الليبرالية
يكشف خطاب الليبرالية البرّاق، المليء بالتناقضات والنفاق، عن خواء معنى الحرّيات. لم تنفع كل المحاولات التبريرية التي اضطرت الليبرالية إلى تقديمها بين حروبها المتتالية، ما يدحض ادّعاءاتها بأنها فلسفة المساواة والعالمية والتحسين. ومعها تفشل رواية تفوّق اقتصاد السوق. فطالما شكّلت الحروب، والإفلاس، والمجاعة، والذعر في البورصة... ظروفاً مساعدة للنموّ الاقتصادي. شكّلت الأزمة المالية في عام 2008، مؤشراً إلى أن العالم الافتراضي لا يمكنه إنقاذ الاقتصاد عبر بناء المال بالمال. هكذا دخل النظام الرأسمالي العالمي في واحدة من أشد أزماته البنيوية الشاملة، دافعة المركز الرأسمالي المُهيمن للجوء إلى خدمات الفاشية والنازية.
وبحسب سمير أمين، سبق أن اختبرت المجتمعات الرأسمالية المتقدّمة والخاضعة للهيمنة هذه الخدمات بوصفها نتاجاً وأساليب معيّنة لإدارة الرأسمالية ولا تشكّل تحدّياً لشرعية الأخيرة.
هذا المشهد يتظهّر اليوم من خلال قتلة يؤمنون بتفوّق الرجل الأبيض، وهم يشعرون بالحنين إلى أيام هتلر وموسوليني، إذ تفوز أحزاب النازيين الجدد، بالديمقراطية، بمقاعد برلمانية في أوروبا، علماً أن الفاشية الأميركية «أكثر لطفاً»، لأنها تسعّر الحروب ثمّ تقطف الثمار.
مفكرو الفاشية
خطورة هذا الخطاب الفاشي أنه مُنتج غبّ الطلب من المفكرين وأساتذة الجامعات والإعلاميين. حتى إن الرّداءة الأكاديمية تفوّقت على وحشية برنامج هتلر عندما نشر فيلسوف الوجود في القرن العشرين هايدغر، في صحيفة طلاب جامعة فرايبورغ، سنة 1933، الآتي: «المبادئ والأفكار ليست الآن قواعد وجودك»، و«الفوهرر (هتلر) هو ملكك». لاحقاً برّر كلامه بأنه اضطر إلى تقديم تنازلات عن المُثل العليا. خطورة ما شرّعه هايدغر، أنه يضرب الحرّية الأكاديمية في الجامعة الألمانية. وحصاد هذا الزرع نراه في جامعات أميركا وأوروبا اليوم، بطرد الأساتذة بسبب موقفهم مما يجري في فلسطين. هذا البرود الأخلاقي وهذه اللامبالاة في مواجهة مثل هذا الدمار الماحق يكملهما هابرماس - المستغفر لذنب الغرب - بقوله: «إن إسرائيل جزء أساسي من الثقافة السياسية الألمانية وحقها في الوجود يستحق حماية خاصة». وأضاف أن هذا المبدأ: «يضرب بجذوره في تاريخ ألمانيا الاستثنائي... وفي الجرائم التي ارتُكبت في العصر النازي».
ما يقصده بهذه المشاركة الفكرية، أنها تأتي بمفعول رجعي بالمسؤولية. إذاً، لنسأل هابرماس: هل تصحيح خطأ جسيم ارتكبته في الماضي، يشرّع إجرامك، وقد اخترت أن تكون شريكاً في إبادة الفلسطينيين؟ هذه البوصلة الأخلاقية الملتوية مرتبطة بمنطق الاستثناء الألماني للنازية. فزع من هكذا فلسفة إذا كانته. الآن تحديداً، هناك حاجة ماسة إلى الحكمة، وقبل كل هذا الشجاعة الأخلاقية للمفكّرين لاتخاذ موقف. اخلعوا عنكم مركزيتكم الأوروبية الرثّة، فلم تعد تغطّيكم. احتفظوا باستثنائكم الألماني لكم. إن مجرد المعرفة والوعي قد لا يكون كافياً. فكيف يمكن للمثقّف أن «يعرف» من دون «الفهم» ويفهم من دون «الشعور»، تساءل غرامشي؟ فقط عندما «يشعر» بعضُنا بمعاناة الآخر، يمكننا التعاطف، ويكون هناك أمل لعالمنا المضطرب.
هذا المسار الذي فرضته الليبرالية أدّى دوره بالضبط، للتشكيك في مبادئ التنوير ذاتها. فتحتَ شعار الدفاع عن قيم الدولة الوطنية الليبرالية، يتم الانقلاب عليها بطروحات، مثل صراع الحضارات، ونهاية التاريخ، ويرفدها اليسار «المستيقظ» والتقليدي القائل بأن وعد التنوير بالعالمية كان عبارة عن فاتورة زائفة من البضائع. فيتشارك هذا وذاك خطاباً ليبرالياً موحّداً، ينقلب على حقوق الإنسان، ويتداوله الإعلام الغربي الذي يدّعي المهنية بانتقائية؛ فاللاجئون الأوكران بيض، خلافاً لأولئك القادمين من العراق أو سوريا أو أفغانستان.
تحلّل الدولة
ترى تيارات ما بعد الحداثة الليبرالية أن الرأسمالية المعاصرة لم تعد بحاجة إلى الدولة لإدارة الاقتصاد العالمي، رغم اعتمادها، أساساً، على القوات المسلحة للولايات المتحدة وإدارة الدولار. وهذه أدوات في يد الدولة، ولا يملكها السوق. هكذا يكشف الخطاب الليبرالي عن خاصية أصليّة لرأس المال تعيده إلى بدايته، فيصبح هو الدولة ذاتها، ويعبّر عن هذا الأمر، بفظاظة، رجال الأعمال الجدد في مجال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي مخاطبين الدول بالإملاء، ويتعدّون على مهامها.
أزمة النظام الدولي الليبرالي
هكذا كشفت الليبرالية الجديدة الحقيقة، وفرضت، لزوم اللعب والمضاربة بشكل مكشوف في الأسواق المالية، كما في سوق نخاسة الاقتصاد المبتذل الذي يبني طروحاته على الرغبات والمنافع الفردية ويكشف مهمّة التدمير الأخلاقي - المجتمعي والبيئي بأدوات الاقتصاد داخلاً وخارجاً. وتتظهّر معه انتقائية القانون الذي لم يكن أداة محايدة، فلا سلطة للضعيف لإحقاق الحق، ولا هناك تساوٍ وفقاً للقانون الدولي الذي يضفي الطابع المؤسّسي على الطابع الإلزامي لتفاوت العلاقات الاجتماعية الرأسمالية القائمة. فلا تتساوى جميع الدول أمامه ولا أطفال فلسطين بأطفال أوكرانيا.
لقد أظهرت فلسطين ما ستحاول الإفلات منه: الإبادة الجماعية الوقحة أمام أعين العالم أجمع، غير مسبوقة في تاريخ الإجرام الرأسمالي الغربي وتُنقل مباشرة على الهواء: قوات عسكرية كاملة التجهيز تواجه مستشفى! وأمام عجز الشعوب وتخاذل الحكومات، استَكملت الهمجية الليبرالية فعلها لإبادة القرى في جنوب لبنان. سحق شجر الزيتون علامة حياة هذه الأرض. هذا السلوك لا يقول إننا أمام جريمة حرب، بل أمام أكبر انهيار أخلاقي بشري. لقد أثبت العدوان على غزّة ولبنان، أن الحضارة الغربية كاذبة في كل ما يتعلق بها، وأن شعاراتها عن الديمقراطية وحرية الإنسان، ليست سوى أدوات في حربها ضدّ الشعوب، ولا تقلّ في خطورتها عن الدبابات والطائرات وفرق الموت الخاصة.
ملايين الناس في شوارع المدن الغربية لم تُقنع ديمقراطياتها بالتصويت لوقف إطلاق النار في غزة. فهل يمكن لمن لا يستطيع المطالبة بحقّه في الحياة، أن يساند غيره؟ نحن نشهد كارثة بشرية ينفّذها، وفقاً لقواعد النظام الرأسمالي العالمي، العدو الصهيوني المفترس الذي يقتات على دمائنا منذ قرن. ولتنقذ الإنسانية نفسها، لا بد للفلسطيني أن ينتصر في صراع يكشف همجية العدو... عدوٌّ ليس من طبيعة البشر.
محقّ لوك، فالأرض لمن يزرع فيها حياته، يرويها بدمه، فهي تعرفهم. هؤلاء المقاومون لأجلها، ومعهم المعذّبون، هم ركيزة إنتاج حضارة جديدة. أياً تكن نسب الاختلاف مع الطروحات الفكرية للذين مشوا في هذا الطريق، فإن التوافق أنهم صوّبوا على مشروع النظام الرأسمالي العالمي وليبراليته المتوحّشة. فقد شكّلوا هذه الحقبة ودخلوا بها التاريخ، وارتقوا، من السيد نصرالله إلى السنوار، والأسرى الأحرار. لا غروَ إن أصبحوا أساطير الزمن المقبل. فلكل من مشى خطوة إلى القدس، تحية القلب، ودمعة الروح، ستبقى فلسطين، والاحتلال إلى زوال.
* أستاذة جامعية
